وليد السعود
03-31-2006, 03:28 PM
- ســـلامة الصدر :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعينوبعد:
فإن أمة الإسلام أمة صفاء ونقاء في العقيدة والعبادات والمعاملات، وقد نهى النبيعما يوغرالصدور ويبعث على الفرقة والشحناء فقال: {لا تباغضوا ولا تحاسدواولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوقثلاث } [رواه مسلم]. وقالحاثاً على المحبة والألفة: {والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.. } [رواه مسلم] وعندما سُئل النبيأي الناس أفضل؟ قال: {كل مخموم القلب صدوق اللسان }قالوا: صدوقاللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: {هو التقي النقي،لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد } [رواه ابن ماجه] وسلامة الصدرنعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍمُّتَقَابِلِينَ[الحجر:47] وسلامة الصدر راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة وهي من أسبابدخول الجنة. قال ابن حزم وكأنه يطل على واقع كثير من المتحاسدين والمتباغضين، أصحابالقلوب المريضة:
( رأيت أكثر الناس - إلا من عصم الله وقليل ما هم - يتعجلون الشقاء والهم والتعبلأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معهبنفع أصلاً، من نيات خبيثة يضبون عليها من تمنى الغلاء المهلك للناس وللصغار، ومنلا ذنب له، وتمنى أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدةلا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه أو يوجب كونه وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلواالراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد منغير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذا الحال التينبهنا عليها؟ وأي سعد أعظم من الحال التي دعونا إليها ).
وكثير من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبة يرتع فيمهاوي الحقد والحسد والغل والضغينة، عن فتح به شخرف قال: قال لي عبد الله الأنطاكي: ( يا خرساني. إنما هي أربع لا غير: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فانظر عينك لا تنظربها إلى ما لا يحل، وانظر لسانك لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك، وانظرقلبك لا يكون منه غل ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا يهوى شيئاً منالشر فإذا لم يكن فيك هذه الخصال الأربع فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت ).
وبعض الناس يظن أن سلامة القلب تكمن في سهولة غشه وخداعه والضحك عليه وهذا خلافالمقصود.
قال ابن القيم رحمه الله: ( الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل: أن سلامةالقلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفتهوالعمل به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هونقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه ). والكمال أن يكون عارفاً بتفاصيلالشر سليماً من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لست بخبِ ولا يخدعني الخب ) وكان عمر أعقل من أن يُخدع وأروع من أن يَخدَع.
وسلامة الصدر من أسباب دخول الجنة فعن أنس بن مالكقال: ( كنا جلوساً معالرسولفقال: {يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة }،فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كانالغد قال النبيمثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قالالنبيمثلمقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبيتبعه عبدالله بن عمرو بنالعاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليكحتى تمضي فعلت فقال: نعم، قال أنس: وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك اللياليالثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عزوجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلمامضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبدالله إني لم يكن بيني وبين أبي غضبولا هجر، ولكن سمعت رسول اللهيقول لك ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنةفطلعت أنت الثلاث مرار فأردت أن أوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعملكثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللهفقال: ما هو إلا ما رأيتغير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه اللهإياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ) [رواه الإمام أحمد].
من أسباب التشاحن والتباغض:
1 - طاعة الشيطان:قال تعالى: وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتيهِىَ أحسَنُ إنّ الشَيطَانَ يَنَزَغُ بَيَنَهُم إن الشَيطَانَ كَانَ للإنَسانِعَدُوّاً مُبِيناً[الإسراء:53] وقال: {إن الشيطان قد أيس أنيعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم } [رواه مسلم].
2 - الغضب:فالغضب مفتاح كل شر وقد أوصىرجلاً بالبعد عن الغضبفقال: {لا تغضب }فرددها مراراً [رواهالبخاري] فإن الغضب طريق إلى التهكم بالناس والسخرية منهم وبخس حقوقهم وإيذائهموغير ذلك مما يولد البغضاء والفرقة.
3 - النميمة:وهي من أسباب الشحناء وطريق إلى القطيعة والتنافر ووسيلةإلى الوشاية بين الناس وإفساد قلوبهم، قال تعالى ذاما أهل هذه الخصلة الذميمة: هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ[القلم:11] وقال: {لا يدخل الجنة فتان }وهو النمام.
4 - الحسد:وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها وفيه تعد وأذى للمسلمين نهىالله عنه ورسوله قال: {إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كماتأكل النار الحطب } [رواه أبوداود] والحسد يولد الغيبة والنميمةوالبهتان على المسلمين والظلم والكبر.
5 - التنافس على الدنيا:خاصة في هذا الزمن حيث كثر هذا الأمر واسودتالقلوب، فهذا يحقد على زميلة لأنه نال رتبة أعلى، وتلك تغار من أختها لأنها حصلتعلى ترقية وظيفية، والأمر دون ذلك فكل ذلك إلى زوال.
وما هي إلا جيفة مستحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها
6 - حب الشهرة والرياسة:وهي داء عضال ومرض خطير، قال الفضيل بن عياضرحمه الله: ( ما من أحدٍ أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكرأحد بخير ). وهذا مشاهد في أوساط الموظفين والعاملين.
7 - كثرة المزاح:فإن كثيره يورث الضغينة ويجر إلى القبيح والمزاح كالملحللطعام قليله يكفي وإن كثر أفسد وأهلك. وهناك أسباب أخرى غير هذه.
والمسلم مطالب بتزكية نفسه والبعد عن الغل والحقد والحسد، ومما يعين على سلامةالصدر:
أولاً: الإخلاص:
عن زيد بن ثابتقال: قال رسول الله: {ثلاث لا يغل عليهن قلبمؤمن: إخلاص العمل، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط منورائهم } [رواه أحمد وابن ماجه].
ومن المعلوم أن من أخلص دينه لله عز وجل فلن يحمل في نفسه تجاه إخوانه المسلمينإلا المحبة الصادقة، وعندها سيفرح إذا أصابتهم حسنة، وسيحزن إذا أصابتهم مصيبة؛سواءً كان ذلك في أمور الدنيا أو الآخرة.
ثانياً: رضا العبد عن ربه وامتلاء قلبه به:
قال ابن القيم رحمه الله في الرضا: ( إنه يفتح للعبد باب السلامة، فيجعل قلبهنقياً من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم،كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضاً كان قلبهأسلم، فالخبث والدغل والغش: قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا،وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا ).
ثالثاً: قراءة القرآن وتدبره:
فهو دواء لكل داء، والمحروم من لم يتداو بكتاب الله، قال تعالى: قُل هُوَلِلذِينَ ءَامَنُوا هُدىً وَشِفَآءٌ[فصلت:44]، وقال: وَنُنَزِلُ مِنَ القُرءَانِ مَاهُوَ شِفَآءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالمِينَ إلا خَسَاراً[الإسراء:82]. قال ابن القيم رحمه الله: ( والصحيح أن "من" ها هنا لبيان الجنس لاللتبعيض، وقال تعالى: يَاأيُها النّاسُ قَد جَآءَتكُم مَوعِظَةٌ مِنرَبِكُم وَشِفَآءٌ لِمَا فىِ الصُدُورِ[يونس:57].
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنياوالآخرة.
رابعاً: تذكر الحساب والعقاب:
الذي ينال من يُؤذي المسلمين من جراء خُبث نفسه وسوء طويته من الحقد والحسدوالغيبة والنميمة والإستهزاء وغيرها.
خامساً: الدعاء:
فيدعو العبد ربه دائماً أن يجعل قلبه سليماً على إخوانه، وأن يدعوا لهم أيضاً،فهذا دأب الصالحين، قال تعالى: وَالذِّينَ جَآءُو مِن بَعدِهِميَقُولُونَ رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِوَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبَنَا إنّكَ رَءُوفٌرّحِيم[الحشر:10].
سادساً: الصدقة:
فهي تطهر القلب، وتُزكي النفس، ولذلك قال الله تعالى لنبيه: خُذّ مِنأموالِهم صَدَقَةً تُطَهِرُهُم وَتُزَكِيِهِم بِهَا[التوبة:103].
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: {داووا مرضاكمبالصدقة } [صحيح الجامع]. وإن أحق المرضى بالمداواة مرضى القلوب،وأحق القلوب بذلك قلبك الذي بين جنبيك.
سابعاً: تذكر أن من تنفث عليه سُمُومك، وتناله بسهامك هو أخ مُسلم:
ليس يهودياً ولا نصرانياً بل يجمعك به رابطة الإسلام. فلِمَ توجه الأذى نحوه.
ثامناً: إفشاء السلام:
عن أبي هريرةقال رسول الله: {والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتىتؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشواالسلام بينكم } [رواه الإمام مسلم].
قال ابن عبد البر رحمه الله: ( في هذا دليل على فضل السلام لما فيه من رفعالتباغض وتوريث الود ).
تاسعاً: ترك كثرة السؤال وتتبع أحوال الناس:
امتثالاً لقول النبي: {من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه } [رواه الترمذي].
عاشراً: محبة الخير للمسلمين:
لقوله: {والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحبلنفسه } [رواه البخاري ومسلم].
الحادي عشر: عدم الاستماع للغيبة والنميمة:
حتى يبقى قلب الإنسان سليماً: قال: {لا يبلغني أحد عن أحد منأصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر } [رواه أحمد] والكثير اليوم يلقي بكلمة أو كلمتين توغر الصدور خاصة في مجتمع النساء وفي أوساطالبيوت من الزوجات أو غيرهن.
الثاني عشر: إصلاح القلب ومداومة علاجه:
قال: {ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتفسد الجسد كله ألا وهي القلب } [رواه البخاري ومسلم].
الثالث عشر: السعي في إصلاح ذات البين:
قال تعالى: فَاتَقُوا اللّهَ وَأصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم[الأنفال:8 ] قال ابن عباس رضيالله عنه: ( هذا تحريم من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم ).
وقال: {ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ }قالوا: بلى. قال: {إصلاح ذات البين } [رواه أبو داود].
جعل الله قلوبنا سليمة لا تحمل حقداً ولا غلاً على المسلمين، وصلى الله وسلم علىنبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعينوبعد:
فإن أمة الإسلام أمة صفاء ونقاء في العقيدة والعبادات والمعاملات، وقد نهى النبيعما يوغرالصدور ويبعث على الفرقة والشحناء فقال: {لا تباغضوا ولا تحاسدواولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوقثلاث } [رواه مسلم]. وقالحاثاً على المحبة والألفة: {والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.. } [رواه مسلم] وعندما سُئل النبيأي الناس أفضل؟ قال: {كل مخموم القلب صدوق اللسان }قالوا: صدوقاللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: {هو التقي النقي،لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد } [رواه ابن ماجه] وسلامة الصدرنعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍمُّتَقَابِلِينَ[الحجر:47] وسلامة الصدر راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة وهي من أسبابدخول الجنة. قال ابن حزم وكأنه يطل على واقع كثير من المتحاسدين والمتباغضين، أصحابالقلوب المريضة:
( رأيت أكثر الناس - إلا من عصم الله وقليل ما هم - يتعجلون الشقاء والهم والتعبلأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معهبنفع أصلاً، من نيات خبيثة يضبون عليها من تمنى الغلاء المهلك للناس وللصغار، ومنلا ذنب له، وتمنى أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدةلا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه أو يوجب كونه وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلواالراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد منغير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذا الحال التينبهنا عليها؟ وأي سعد أعظم من الحال التي دعونا إليها ).
وكثير من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبة يرتع فيمهاوي الحقد والحسد والغل والضغينة، عن فتح به شخرف قال: قال لي عبد الله الأنطاكي: ( يا خرساني. إنما هي أربع لا غير: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فانظر عينك لا تنظربها إلى ما لا يحل، وانظر لسانك لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك، وانظرقلبك لا يكون منه غل ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا يهوى شيئاً منالشر فإذا لم يكن فيك هذه الخصال الأربع فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت ).
وبعض الناس يظن أن سلامة القلب تكمن في سهولة غشه وخداعه والضحك عليه وهذا خلافالمقصود.
قال ابن القيم رحمه الله: ( الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل: أن سلامةالقلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفتهوالعمل به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هونقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه ). والكمال أن يكون عارفاً بتفاصيلالشر سليماً من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لست بخبِ ولا يخدعني الخب ) وكان عمر أعقل من أن يُخدع وأروع من أن يَخدَع.
وسلامة الصدر من أسباب دخول الجنة فعن أنس بن مالكقال: ( كنا جلوساً معالرسولفقال: {يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة }،فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كانالغد قال النبيمثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قالالنبيمثلمقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبيتبعه عبدالله بن عمرو بنالعاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليكحتى تمضي فعلت فقال: نعم، قال أنس: وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك اللياليالثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عزوجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلمامضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبدالله إني لم يكن بيني وبين أبي غضبولا هجر، ولكن سمعت رسول اللهيقول لك ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنةفطلعت أنت الثلاث مرار فأردت أن أوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعملكثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللهفقال: ما هو إلا ما رأيتغير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه اللهإياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ) [رواه الإمام أحمد].
من أسباب التشاحن والتباغض:
1 - طاعة الشيطان:قال تعالى: وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتيهِىَ أحسَنُ إنّ الشَيطَانَ يَنَزَغُ بَيَنَهُم إن الشَيطَانَ كَانَ للإنَسانِعَدُوّاً مُبِيناً[الإسراء:53] وقال: {إن الشيطان قد أيس أنيعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم } [رواه مسلم].
2 - الغضب:فالغضب مفتاح كل شر وقد أوصىرجلاً بالبعد عن الغضبفقال: {لا تغضب }فرددها مراراً [رواهالبخاري] فإن الغضب طريق إلى التهكم بالناس والسخرية منهم وبخس حقوقهم وإيذائهموغير ذلك مما يولد البغضاء والفرقة.
3 - النميمة:وهي من أسباب الشحناء وطريق إلى القطيعة والتنافر ووسيلةإلى الوشاية بين الناس وإفساد قلوبهم، قال تعالى ذاما أهل هذه الخصلة الذميمة: هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ[القلم:11] وقال: {لا يدخل الجنة فتان }وهو النمام.
4 - الحسد:وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها وفيه تعد وأذى للمسلمين نهىالله عنه ورسوله قال: {إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كماتأكل النار الحطب } [رواه أبوداود] والحسد يولد الغيبة والنميمةوالبهتان على المسلمين والظلم والكبر.
5 - التنافس على الدنيا:خاصة في هذا الزمن حيث كثر هذا الأمر واسودتالقلوب، فهذا يحقد على زميلة لأنه نال رتبة أعلى، وتلك تغار من أختها لأنها حصلتعلى ترقية وظيفية، والأمر دون ذلك فكل ذلك إلى زوال.
وما هي إلا جيفة مستحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها
6 - حب الشهرة والرياسة:وهي داء عضال ومرض خطير، قال الفضيل بن عياضرحمه الله: ( ما من أحدٍ أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكرأحد بخير ). وهذا مشاهد في أوساط الموظفين والعاملين.
7 - كثرة المزاح:فإن كثيره يورث الضغينة ويجر إلى القبيح والمزاح كالملحللطعام قليله يكفي وإن كثر أفسد وأهلك. وهناك أسباب أخرى غير هذه.
والمسلم مطالب بتزكية نفسه والبعد عن الغل والحقد والحسد، ومما يعين على سلامةالصدر:
أولاً: الإخلاص:
عن زيد بن ثابتقال: قال رسول الله: {ثلاث لا يغل عليهن قلبمؤمن: إخلاص العمل، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط منورائهم } [رواه أحمد وابن ماجه].
ومن المعلوم أن من أخلص دينه لله عز وجل فلن يحمل في نفسه تجاه إخوانه المسلمينإلا المحبة الصادقة، وعندها سيفرح إذا أصابتهم حسنة، وسيحزن إذا أصابتهم مصيبة؛سواءً كان ذلك في أمور الدنيا أو الآخرة.
ثانياً: رضا العبد عن ربه وامتلاء قلبه به:
قال ابن القيم رحمه الله في الرضا: ( إنه يفتح للعبد باب السلامة، فيجعل قلبهنقياً من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم،كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضاً كان قلبهأسلم، فالخبث والدغل والغش: قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا،وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا ).
ثالثاً: قراءة القرآن وتدبره:
فهو دواء لكل داء، والمحروم من لم يتداو بكتاب الله، قال تعالى: قُل هُوَلِلذِينَ ءَامَنُوا هُدىً وَشِفَآءٌ[فصلت:44]، وقال: وَنُنَزِلُ مِنَ القُرءَانِ مَاهُوَ شِفَآءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالمِينَ إلا خَسَاراً[الإسراء:82]. قال ابن القيم رحمه الله: ( والصحيح أن "من" ها هنا لبيان الجنس لاللتبعيض، وقال تعالى: يَاأيُها النّاسُ قَد جَآءَتكُم مَوعِظَةٌ مِنرَبِكُم وَشِفَآءٌ لِمَا فىِ الصُدُورِ[يونس:57].
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنياوالآخرة.
رابعاً: تذكر الحساب والعقاب:
الذي ينال من يُؤذي المسلمين من جراء خُبث نفسه وسوء طويته من الحقد والحسدوالغيبة والنميمة والإستهزاء وغيرها.
خامساً: الدعاء:
فيدعو العبد ربه دائماً أن يجعل قلبه سليماً على إخوانه، وأن يدعوا لهم أيضاً،فهذا دأب الصالحين، قال تعالى: وَالذِّينَ جَآءُو مِن بَعدِهِميَقُولُونَ رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِوَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبَنَا إنّكَ رَءُوفٌرّحِيم[الحشر:10].
سادساً: الصدقة:
فهي تطهر القلب، وتُزكي النفس، ولذلك قال الله تعالى لنبيه: خُذّ مِنأموالِهم صَدَقَةً تُطَهِرُهُم وَتُزَكِيِهِم بِهَا[التوبة:103].
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: {داووا مرضاكمبالصدقة } [صحيح الجامع]. وإن أحق المرضى بالمداواة مرضى القلوب،وأحق القلوب بذلك قلبك الذي بين جنبيك.
سابعاً: تذكر أن من تنفث عليه سُمُومك، وتناله بسهامك هو أخ مُسلم:
ليس يهودياً ولا نصرانياً بل يجمعك به رابطة الإسلام. فلِمَ توجه الأذى نحوه.
ثامناً: إفشاء السلام:
عن أبي هريرةقال رسول الله: {والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتىتؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشواالسلام بينكم } [رواه الإمام مسلم].
قال ابن عبد البر رحمه الله: ( في هذا دليل على فضل السلام لما فيه من رفعالتباغض وتوريث الود ).
تاسعاً: ترك كثرة السؤال وتتبع أحوال الناس:
امتثالاً لقول النبي: {من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه } [رواه الترمذي].
عاشراً: محبة الخير للمسلمين:
لقوله: {والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحبلنفسه } [رواه البخاري ومسلم].
الحادي عشر: عدم الاستماع للغيبة والنميمة:
حتى يبقى قلب الإنسان سليماً: قال: {لا يبلغني أحد عن أحد منأصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر } [رواه أحمد] والكثير اليوم يلقي بكلمة أو كلمتين توغر الصدور خاصة في مجتمع النساء وفي أوساطالبيوت من الزوجات أو غيرهن.
الثاني عشر: إصلاح القلب ومداومة علاجه:
قال: {ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتفسد الجسد كله ألا وهي القلب } [رواه البخاري ومسلم].
الثالث عشر: السعي في إصلاح ذات البين:
قال تعالى: فَاتَقُوا اللّهَ وَأصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم[الأنفال:8 ] قال ابن عباس رضيالله عنه: ( هذا تحريم من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم ).
وقال: {ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ }قالوا: بلى. قال: {إصلاح ذات البين } [رواه أبو داود].
جعل الله قلوبنا سليمة لا تحمل حقداً ولا غلاً على المسلمين، وصلى الله وسلم علىنبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.