طواري
02-12-2010, 08:53 PM
قصة قصيرة
العقل زينة
يوم طقسه متقلب بين دافئ وبارد والعكس ... فقد بدت أشلاء سحب غائمة تتأرجح فى قبة السماء ... فما لبث فصل الشتاء يلملم أسماله البالية ... متأهبا للرحيل بخطى متهالكة ... متزحزحا إلى أقصى الأفق ... بينما بدت الشمس تطل من شرفتها ... راحت تتسلل بشعاعها الذهبى ... تلقى بردائها القاتم إلى متاهات السحوب ... ها هى تنتشى وتسطع فى صدر السماء ... كعروس فى أبهى زينتها ... يتناثر خيوط شعرها الذهبى ... فإذا بالوجود تحتها يعدو كواحة زاهية بلونها الأخضر ... لامع أديمها ... بلا شك بعد لحظات سيتغير لونها ... وربما يصبح شاحبا فنحن نودع فصل بارد ... !!
ما كدت أعبر الشارع المؤدى إلى المدرسة التى أعمل بها ... فإذا بعينى على الرغم منى .. تقع على سيدة جالسة القرفصاء على درجات السلم لإحدى العمارات ... سيدة مسنة تناهز الستين من عمرها ، ترتدى ثوبا أسود ... تغطى رأسها ... أخذت ترمق المارة فى هذا الصباح الباكر ... بنظرة مستجدية ... تأملتها للحظة ، أومأت إليها ... لم انتظر سؤالها ... على الفور فتحت حقيبة يدى وأخرجت منها عملة نقدية ، مددت بها يدى شطرها فتناولتها منى ... لم أتلكأ برهة ، فكنت أخطو على عجل لكى انهض بطابور الصباح ... وإذا بالسيدة المسنة تهم متزحزحة من جلستها ... انتصبت كالمارد ... وفجأة أحسست بخطواتها تتزايد شيئا فشيئا ... نظرت إليها من الخلف ، فرأيت بيدها حفنة من الحصى ، تقذف بها فى الهواء ... وعيناها تتقدان بالشرر ... بينما برزت أسنانها المتآكلة ... من فم يلقى بسيل من الشتائم حمله إلى الأثير ... انتبهت على أثره ... لفظاعته ... فجعلت أستدير إلى الخلف بين الحين والحين ، لأرقب وأتقصى ... هل هناك مجرم يطارده مجنى عليه ؟ أو لص خطف حقيبة أحد المارة ؟ فإذا بالمطاردة ورائه تقتفى أثره ... ولكن الشارع يبدو خالى تماما ... لم ار فيه سوى انا ... انهب فى الأرض لالحق بموعد المدرسة ... حدجتها بنظرة خاطفة ... نظرة مشمئزة ... فلمحتها تصوب الحصى متعمدة تجاهى ، مصاحبا للشرر المتطاير من عينيها ... ولبعد المسافة نوعا ما ... لم يصبنى الحصى بشئ ... دققت النظر إليها وأنا أضع كفى على صدرى ... أستفسر منها متسائلة دون ان انبس ببنت شفه : (أأنا ... أأنا المقصودة) فلمحت رأسها بإيماءه تعنى نعم ... وطفقت تستأنف سيل الشتائم تصوبها الى بالتحديد ... ضاعفت من خطواتى ... وكأننى متهمة بالفعل ... وجعلت استدير للخلف أراقب مسار الحصى المصوب تجاهى ... ثم أعيد رأسى إلى الأمام حتى لا تصدمنى سيارة ... بعدت ... وبعدت وهى مازالت على البعد ترغى وتزبد ... ولا ادرى أى تهمة فعلت بتلك السيدة البائسة ... سوى إننى أعطيتها صدقة ... وليست بالقليلة المحتقرة لتهزأ بى ... فماذا جنيت إذن ... ؟
وفى اليوم التالى كنت أعبر نفس الشارع المؤدى الى المدرسة ... فهذا اقصر طريق إليها ... فوجدتها ... هى بعينها فى ذات المكان ... قابعة على الردهة الخارجية لهذه العمارة ...
عبرت بسرعة وكأننى افر من وحش كاسر ... لمحتنى صديقتى التى تمشى بجانبى ... فدهشت لتوجسى خيفة من سيدة مسنة ... تجلس فى استكانة ، فسالتنى : (ما بك ... لماذا ترتعدى من تلك السيدة المسكينة ؟)
جعلت اسرد لها ما حدث بالأمس ... فإذا بها تباغتنى بضحكة متهكمة ... !!
بادرتنى قائلة : (تعطيها صدقة ... كيف ... صدقة ... !!)
قلت : (لأنها مسكينة)
قالت : (مسكينة ... إنها صاحبة العمارة ... أيتها الطيبة)
قلت : (ولماذا تجلس هكذا فى الصباح الباكر ؟)
قالت : (يا أختاه ... الا تعرفينها ... !!)
أنها مجنونة ............ !!
العقل زينة
يوم طقسه متقلب بين دافئ وبارد والعكس ... فقد بدت أشلاء سحب غائمة تتأرجح فى قبة السماء ... فما لبث فصل الشتاء يلملم أسماله البالية ... متأهبا للرحيل بخطى متهالكة ... متزحزحا إلى أقصى الأفق ... بينما بدت الشمس تطل من شرفتها ... راحت تتسلل بشعاعها الذهبى ... تلقى بردائها القاتم إلى متاهات السحوب ... ها هى تنتشى وتسطع فى صدر السماء ... كعروس فى أبهى زينتها ... يتناثر خيوط شعرها الذهبى ... فإذا بالوجود تحتها يعدو كواحة زاهية بلونها الأخضر ... لامع أديمها ... بلا شك بعد لحظات سيتغير لونها ... وربما يصبح شاحبا فنحن نودع فصل بارد ... !!
ما كدت أعبر الشارع المؤدى إلى المدرسة التى أعمل بها ... فإذا بعينى على الرغم منى .. تقع على سيدة جالسة القرفصاء على درجات السلم لإحدى العمارات ... سيدة مسنة تناهز الستين من عمرها ، ترتدى ثوبا أسود ... تغطى رأسها ... أخذت ترمق المارة فى هذا الصباح الباكر ... بنظرة مستجدية ... تأملتها للحظة ، أومأت إليها ... لم انتظر سؤالها ... على الفور فتحت حقيبة يدى وأخرجت منها عملة نقدية ، مددت بها يدى شطرها فتناولتها منى ... لم أتلكأ برهة ، فكنت أخطو على عجل لكى انهض بطابور الصباح ... وإذا بالسيدة المسنة تهم متزحزحة من جلستها ... انتصبت كالمارد ... وفجأة أحسست بخطواتها تتزايد شيئا فشيئا ... نظرت إليها من الخلف ، فرأيت بيدها حفنة من الحصى ، تقذف بها فى الهواء ... وعيناها تتقدان بالشرر ... بينما برزت أسنانها المتآكلة ... من فم يلقى بسيل من الشتائم حمله إلى الأثير ... انتبهت على أثره ... لفظاعته ... فجعلت أستدير إلى الخلف بين الحين والحين ، لأرقب وأتقصى ... هل هناك مجرم يطارده مجنى عليه ؟ أو لص خطف حقيبة أحد المارة ؟ فإذا بالمطاردة ورائه تقتفى أثره ... ولكن الشارع يبدو خالى تماما ... لم ار فيه سوى انا ... انهب فى الأرض لالحق بموعد المدرسة ... حدجتها بنظرة خاطفة ... نظرة مشمئزة ... فلمحتها تصوب الحصى متعمدة تجاهى ، مصاحبا للشرر المتطاير من عينيها ... ولبعد المسافة نوعا ما ... لم يصبنى الحصى بشئ ... دققت النظر إليها وأنا أضع كفى على صدرى ... أستفسر منها متسائلة دون ان انبس ببنت شفه : (أأنا ... أأنا المقصودة) فلمحت رأسها بإيماءه تعنى نعم ... وطفقت تستأنف سيل الشتائم تصوبها الى بالتحديد ... ضاعفت من خطواتى ... وكأننى متهمة بالفعل ... وجعلت استدير للخلف أراقب مسار الحصى المصوب تجاهى ... ثم أعيد رأسى إلى الأمام حتى لا تصدمنى سيارة ... بعدت ... وبعدت وهى مازالت على البعد ترغى وتزبد ... ولا ادرى أى تهمة فعلت بتلك السيدة البائسة ... سوى إننى أعطيتها صدقة ... وليست بالقليلة المحتقرة لتهزأ بى ... فماذا جنيت إذن ... ؟
وفى اليوم التالى كنت أعبر نفس الشارع المؤدى الى المدرسة ... فهذا اقصر طريق إليها ... فوجدتها ... هى بعينها فى ذات المكان ... قابعة على الردهة الخارجية لهذه العمارة ...
عبرت بسرعة وكأننى افر من وحش كاسر ... لمحتنى صديقتى التى تمشى بجانبى ... فدهشت لتوجسى خيفة من سيدة مسنة ... تجلس فى استكانة ، فسالتنى : (ما بك ... لماذا ترتعدى من تلك السيدة المسكينة ؟)
جعلت اسرد لها ما حدث بالأمس ... فإذا بها تباغتنى بضحكة متهكمة ... !!
بادرتنى قائلة : (تعطيها صدقة ... كيف ... صدقة ... !!)
قلت : (لأنها مسكينة)
قالت : (مسكينة ... إنها صاحبة العمارة ... أيتها الطيبة)
قلت : (ولماذا تجلس هكذا فى الصباح الباكر ؟)
قالت : (يا أختاه ... الا تعرفينها ... !!)
أنها مجنونة ............ !!