المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (( تهادوا تحابّوا ))


الباسل
02-26-2006, 04:38 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]



الهدايا أنواع ... وقيمتها المعنوية هي الأهم

هدية الزوج لزوجته مودة ومحبّة واحترام

الهدية تعبير صادق للحب والحنان، فهي نافذة الروح، وبوّابة المودّة، وطريق الألفة، ودوحة الأفياء، وقِبلة السعادة التي تعلو في سماء المحبين، فتوثّق العرى الزوجية، وتمتّن ركائزها ودعائمها، وتعطيها زخماً واسعاً من العطاء المتدفق الذي لا يعرف الحدود ولا يرتبط بقيود.


هـدايـــا النـــاس بعضـهــم لبـعــــــض ** تولــــــــــد في قلوبهــــــــــم الوصـــــــــــالا

وتـزرع في الضــــمـــير هـــــــوى وودّا ** وتكســـوهم إذا حضــــــــــروا جــمــــــــــــالا



سحر الهدايا
الهدية حركة الأوداج ولكن معها تتحرك الأمواج وتتسامح الأفواج، بلحنها تضطرب أوتار القلوب وبنغمها تسكن أمواج الضلوع، وفي رؤيتها تبتسم الشفاه الجاثمة، وتضحك الأفئدة الناعمة، وكأنّ في الوجود نوراً يتلألأ، ونجماً يضيء فتتفتح القلوب المقفلة التي ما ذاقت حلاوة الأنس والبهجة.



وللهدية تاريخها في سحر العيون، فهي لمحة من أفنان جنّة الدنيا وزخرفها، تسعد الزوجة عند رؤيتها، ويبتهج الزوج بعطائه وسخائه وهبته لها، فينسى ذاته ويضحي بكل غالٍ من أجل نبع المحبة، وهي رمز للمشاعر الجيّاشة التي تنمّ عما تكنـّه صدورنا من حب وتقدير واحترام، فتدوم بدوامها في قلوبنا، وتبقى ببقائها في عيوننا، تلطفنا الهدية دائماً بسحرها الحاضر المضيء والذي لا تزعزعه فتنة ولا محنة، ولا تحرّكه أعاصير اللوم والعتاب.



((تهادوا تحابّوا))
وقد سطّر رسولنا بمداركه الفكرية أهمية الهديّة في حياتنا، وفوائدها في جمع القلوب المتباعدة، وتقوية عوامل المحبّة والألفة، فيقول بعبارة راقية جامعة كتبها التاريخ بمداد من الذهب وورق من حرير: «تهادوا تحابّوا«، إنّها عبارة تتحدى الشعراء والأدباء ببلاغتها وعمق معانيها، فما أروعها من عبارة، وما أشدّ تأثيرها على القلوب الواجمة، والأرواح المتعارفة، والشفاه الناعمة، والمشاعر الهائمة.



وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه قال: «يا نساء المسلمات لا تَحْقِرَنّ جارة لجارتها ولو فِرْسِنَ شاة«، (الفرسن: عظم قليل اللحم) وقد شــــرح البخــــــاري في فتـــح الباري هذا الحديث بقوله: «وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن لأنه لم تجرِ العادة بإهدائه«. ثم قال: «وفي الحديث الحضّ على التهادي ولو باليسير لأنّ الكثير قد لا يتيسّر كل الوقت وإذا تواصل اليسير صار كثيراً وفيه استحباب المودّة وإسقاط التكلفة«.



والهدية لا تقاس بحجمها، أو بغلاء ثمنها، ولا بقيمتها المادية، وإنما تُقاس بمقدارها المعنويّ وبما تبثّ في الحياة الزوجية من صفاء ووفاء، وقد كان من هدي النبي قبول الهدية وقد حثّنا على قبولها ولو كانت شيئاً صغيراً.



قال رسول اللّه في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي: «لو أهدي إليّ كُـراع لقبلت، ولو دُعيتُ عليه لأجبت« (الكراع ما دون الكعب من الدابة).



مناسبات الهدايا
يختلف لون الهديّة وشكلها وحجمها حسب المناسبة التي تصادفنا، فالمناسبات الدينية كهديّة العيد مثلاً لها نفحاتها الحلوة وروحانيّتها العالية، فهي أجمل من الورود وأندى، وكلماتها تحمل الحنين وتمسح الهموم والأحقاد.



وتتنوع الهدايا في المناسبات الاجتماعية، كما يلي:



* هديّة الأسفار:
يقول أحد الدعاة المعاصرين في كتابه «الزوجة«: «وهدايا الأسفار لها طعم خاص فهو يختار لها في سفره ما يناسبها كامرأة، وهي تختار له ما يناسبه كرجل، وتترك هديّة السفر انطباعاً خاصاً لأنها نابعة من بحر الشوق ومعاناة الغربة«. كما أنّها توثق لذكرى ذلك السفر.



* هديّة الزفاف:
لها وقعها على النفوس وتأثيرها في القلوب، فهي صورة حلوة ملوّنة بألوان المحبّة والمودّة، وهي شجرة مثمرة تتدلى ثمارها لتعطي طعماً للحياة وروعة للوجود، فتدمع العين حبّاً عند رؤيتها، وترتجف القلوب عند شمّ رائحتها (كالعطور)، أو لمس نعومتها (كالحرير)، أو تذوّق حلاوة طعمها (كباقة من الحلوى).



* هديّة المولود الجديد:



هي هبة من الرحمن، ورزق حلال، وبراءة الطفولة التي تضيء كهف الزوجية، فتهبّ نسائم الحنان، وتتفتح ورود المحبّة، وتزغرد طيور الأمل، فترقص بأجنحتها طرباً، ثم تحوم بأنغامها على الأغصان والزهور، وفي النهاية تحطّ حيث ترتاح وتسعد وتترنّم، كما أنّ الزوجة تجد فيها عزاء من ألم الولادة ومعاناتها، ممّا يسهم في إسعادها.



الهدايا المعنويّة
تحدّث الباحثون عن أنواع الهدايا وقسّموها إلى نوعين، هي: هدايا معنوية وأخرى مادية، وتقول دراسة أجريت في ألمانيا عن الهدية المعنوية: «إنّه من حسن الحظ أنّ الرجل يستطيع أحياناً أن يقدم للمرأة هدية ممتعة، كدعوة على العشاء، أو السفر في رحلة قصيرة، وهذه من مميزات المرأة لأنّها تنظر أحياناً للشكل أكثر من المضمون«، وهناك كم هائل من الزوجات يفضّلن الكلمات المعسولة والعبارات الحلوة عن الهدايا المادية المحسوسة. ويعود تفسير هذه الظاهرة إلى أنّ المدارك العاطفية القلبية للزوجة قد تطغى على المراكز الحسيّة.



وفي دراسة ألمانية أخرى تبيـّن أنّ أكثر من 66% من النساء يفضلن الهدايا الماديّة، مقابل 14% يفضلن الكلام المعسول أوّلاً، ونحو 20% لا يرضيهن إلا أشياء مختلفة مثل الهدايا المحدودة، أو تصرفات معينة تختلف من علاقة إلى علاقة، ومن مجتمع إلى مجتمع، وهذا ما جعل الرجل يشعر أنّ إرضاء الزوجة يكون دائماً بإغراقها بالهدايا، ثم يدرك أنّ سياسته قد فشلت ونظريته في تلاحق الهدايا وتتابعها لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنّ مشاعر الرضا تكون مؤقتة بهذه الهدايا المتتالية، وتختفي مع أول هديّة يقدمها الرجل للزوجة، وقد تضعها الزوجة في صندوق الإهمال، لأنّ ما يشبع عاطفتها ليس الإفراط في الهدايا بل الكلمات العذبة أو الابتسامة البريئة لأنّ الابتسامة الحلوة هديّة، والكلمة الطيبة هديّة، والمعاملة العاطفية أجمل هدية للزوجة، وهي أغلى من الهدايا الحسية الملموسة.



والهديّة يجب أن تكون معنوية حتى تكون للهدايا الحسية سحرها وتأثيرها، والكلمات الحلوة حلوة ولكنها تفقد تأثيرها إذا لم يطابقها الفعل والإهداء، وهنا تأتي أهمية الهدية المادية التي تحوّل القول إلى العمل، فتدرك الزوجة أنّ هذه الهدية المادية نابعة من صدق المحبة، ونبع المودّة، فقد روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: «تهادَوا فإنّ الهدية تـُذهب وَحَرَ الصدر« أي غلّه وغشّه وحقده.



آداب الهدية
للهدية آداب يمكن إيجازها بهذه الخطوات التي تبين فن اللباقة والذوق الرفيع حتى تؤتي ثمارها:



اختر الهدية التي تناسب المقام وتليق بالمناسبة.

أزِلْ السعر الموضوع على الهديّة.

غلّف الهدية بفن وإحكام وذوق.

ضع عليها بطاقة واكتب عبارة تبين سبب الهدية وتعبّر عن عمق المحبّة.

عليكَ بالكلمة الطيبة والابتسامة الهادئة عند الإهداء.



وباتباع هذه الخطوات تؤثر الهدية حتى في القلوب المتنافرة المتباعدة، وإيّاك ثم إيّاك الرجوع في الهديّة، فقد حذّر الشرع عن هذا العمل الشنيع، ففي حديث عمر وابن عباس رضي اللّه عنهما الذي رواه الإمام أحمد قال النبيّ : «لا يحلّ لرجل أن يعطي العطيّة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه«.



وإيّاك أن تقبل الهديّة التي يُراد من إهدائها الرشوة فكم من بيوت آمنة دُمّرت لأنّ الإسلام لعن الراشي والمرتشي، وكم من علاقة حميمة هُدمت لأنّ الشرع ينهانا عن إتباع الهديّة بالمنّ والأذى، إمّا بالكلام، أو الإشارة، أو بمجرد التذكير بها.



عمق المعاني
بعد هذه الجولة الممتعة نرى أنفسنا في عالم من جمال الألفة، ولوحة من ظلال القرب والمحبّة، فالهدية بسحرها، ومناسباتها الدينية، والاجتماعية، ومعانيها الحلوة، وآدابها، تحرّك كوامن الحب وتعزّز قوّة الهوى بين الزوجين، وقد أدرك تأثيرها الشعراء، والمفكرين، والأدباء، فهي رونق الحنايا للمتزوجين، ومن بين الأمواج المتلاطمة بالعواطف والأفكار المزدحمة عن سحر الهدية وعمق معانيها أجبرت القلم على التوقّف كي لا أستغرق في لجّ المحبّة وبحر المودّة.